المقريزي
107
المقفى الكبير
على الأميرين وأمرهما بالانصراف . ودفع إليهما الكتاب وسلّمهما الهجن ، وهي نحو الخمسمائة راحلة ، سوى الجمال ، فسارا ومعهما الأمراء إلى جهة مصر . ثمّ استدعى نائب الكرك ، وعرّفه ما كان فيه من الذلّة وقلّة الحرمة وضيق اليد . فتوجّع له وأطلعه على ما في قلعة الكرك من المال ، وهو مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار مصريّة ، وألف ألف درهم وسبعمائة درهم فضّة ، فتسلّمها منه . وأصبح فدعا سائر أهل الكرك وحلّفهم على الطاعة له [ 96 أ ] فحلفوا له . وأمرهم فنزلوا مع نائب الكرك بأجمعهم ليحمل كلّ منهم حجرا يصعد به إلى القلعة ، فلم يبق صغير ولا كبير حتى خرج من المدينة ونزل إلى الوادي ، وشرعوا في ضمّ الحجارة ، وإذا هم برسول السلطان قد ورد على النائب بالسلام عليه ، وأنّ السلطان يستحي منه أن يقف في خدمته ، لكبر سنّه وما له من حقّ تربيته ، وأنّه يخشى أن يتّهمك الأمراء بمصر بموافقتي فتصير عدوّا لهم . فابعث أحدا من جهتك يأخذ جميع ما لك من حريم ومال ، وسر إلى مصر مكرّما ، فإن كان لنا عمر كافأناك . وأمّا أهل الكرك فلا سبيل إلى مجاورتهم لي ولا إقامتهم معي في الكرك : فإنّي أعلم ما اتّفق لهم أيّام الملك السعيد بركة ابن الظاهر ، وكيف صاروا عليه وباعوه بالمال مع طرنطاي . وقد أمرت بنزول حريمهم وأولادهم إليهم . فلم يجد النائب بدّا من أخذ ماله . وقدّم غلاله للسلطان ، وكانت كثيرة جدّا ، فقبلها . وسار ، فأخرج السلطان إلى أهل البلد حريمهم وأولادهم فتفرّقوا في الضياع . واستدعى عرب الشّوبك ليكونوا في خدمته بمواضع الصيد . وكان حريمه قد خرج من القاهرة في سابع عشر شوّال ، فبعث إلى عقبة أيلة فأحضرهم إليه ، ومعهم الأمير جمال الدين خضر بن نوكاي ، فسرّ بقدومهم سرورا كبيرا . ورتّب بقلعة الكرك الأمير سيف الدين أيتمش المحمّدي ، ومعه أخوه الحاج أقطاي ، وأرغون الدوادار . فأقاموا بها . ونادى فيمن معه من المماليك وأرباب الوظائف والعلماء ، يخيّرهم بين الإقامة معه والسفر إلى مصر ، وأنّه لا يقيم معه إلا من قطع علاقته من مصر . فسافر جماعة وأقام عنده جماعة . وقدم الأمراء إلى قلعة الجبل في ثاني عشرين شوّال ، وأقيم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير سلطانا ولقّب بالملك المظفّر ، في يوم السبت ثالث عشرينه [ سنة 708 ] . فكانت مدّة سلطنة الناصر هذه عشر سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما . وكتب له المظفّر بيبرس تقليدا بنيابة الكرك والشوبك ، وأقطعه إمرة مائة فارس ، وجهّزه إليه . فأظهر البشر والفرح . وبعث إلى متولّي القلعة أن يعرّف الحرّاس بالدعاء في الصباح باسم السلطان الملك المظفّر ركن الدين بيبرس المنصوريّ . وأمر الخطيب فدعا باسمه في الخطبة يوم الجمعة . وخلع على البريديّ الذي أحضر التقليد وأنعم عليه وأعاده . واستمرّ مقيما بالكرك ، وأكثر من الركوب للصيد . فخشي المظفّر بيبرس منه ، وأراد إضعاف جانبه [ 96 ب ] فكتب إليه يعلمه بأنّ خربندا ملك التتار قد تحرّك ، وأنّ نائب حلب طلب تجريد العسكر إليه ، وأنت تعلم أنّ الأجناد ضعفاء الحال ، ويحتاجو [ ن ] إلى نفقات كثيرة . وأنت ، فقد صحبت معك ما لا له صورة « 1 » ثمّ أخذت حاصل الكرك الذي هو مرصد لمصالح المسلمين .
--> ( 1 ) هكذا ، ولعلّ المعنى : ما لا يوصف .